أحمد بن حجر الهيتمي المكي

116

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

ثم لمّا تمّ هذا المقام . . انتقلنا لمقام من وصلت لنا تلك الهداية الباهرة على يديه ، فابتدأناه بمخاطبته بالسلام عليه ؛ إشارة إلى حضوره معنا بالمعنى ، ثم بالسلام على خلفائه في الهداية والبلاغ ، وهم الصالحون ، ثم ختمنا ذلك بمقام التوحيد الذي به ينتظم شمل تينك المرتبتين ؛ مرتبة الثناء على اللّه تعالى ، والثناء على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه . ثم لمّا تمّ ذلك انتقلنا إلى أعلى ما يستحقه صلى اللّه عليه وسلم علينا من الثناء ، وهو الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم ، فختمنا به ، وجعلناه وصلة إلى استجابة دعائنا الذي أمرنا به عقبه ، فتأمل ذلك وتدبره . . تعلم فرقان ما بينه وبين غيره مما أطيل به في الجواب عن ذلك ، مع أنه لا يجدي شيئا ، كما يعلمه من وقف عليه . [ المسألة ] الرابعة : اختلف في المراد بقولهم : كيف نصلّي عليك ؟ فقيل : هو سؤال عن صفتها لا عن جنسها ؛ لأنهم فهموا أصلها ، فسألوا عن الصفة اللائقة به صلى اللّه عليه وسلم ليستعملوها . وقيل : عن معناها ، وبأي لفظ تؤدّى ؛ لأن لفظها المأمور به في قوله تعالى : صَلُّوا عَلَيْهِ يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم ، فسألوا : بأيّ لفظ يؤدّى ذلك ؟ والأرجح الأول ، كما قاله الباجي وغيره ، وجزم به القرطبي ؛ لأن لفظ ( كيف ) ظاهر في الصفة ، وأما الجنس فيسأل عنه ب ( ما ) . والحامل لهم على ذلك أن السلام لمّا ورد في التشهد بلفظ مخصوص . . فهموا أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص ، ولم يفروا إلى القياس لتيسر الوقوف على النص ، سيما والأذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن ، فوقع الأمر كما فهموه ؛ فإنه لم يقل لهم : كالسلام ، بل علّمهم صفة أخرى .